الحسن بن محمد البوريني

74

تراجم الأعيان من أبناء الزمان

عزيزة ، ترخّص عند الذهبيّ إبريزه . من ذلك ما نقله عن بعضهم أنّ كلّ نبي من الأنبياء إنما يوحى اليه بالعربيّة ويعود بعد ذلك النبيّ يترجمه لقومه بلسانهم الذي به يفهمون وله يفقهون . وتولّى قضاء بروسة المحروسة فاتّفق أنّه ضرب فيها رجلا من عسكر السلطان ، وأظنه من حاملي السلاح للسلطان . فثار الجند عليه وقصدوا قتله ، فما نجا منهم إلّا بعد جهد جهيد ، ورأى رحمه اللّه تعالى أنّ المبادرة إلى ضرب الجندي المذكور كانت من ضيق عطنه بسبب أكله للتركيب المشهور المسمّى يومئذ بالبرش « 1 » لأنّه عند انفصال حرارته يوجب للمرء ضيقا عجيبا إلى الغاية . فحلف يمينا مغلّظة أنه لا يأكل البرش بعد ذلك اليوم . وهذا أمر مخالف للقاعدة العقلية . وما ذاك إلّا أنّ عادة البرش توجب المداومة على أكله ويتكلّف آكله كلفة كبيرة ، حتى يستطيع تركه . وأغلب ما يكون ذلك بالتناقص من غير ضرر . وأنشد له بعضهم متمثلا : ان تكن عازما على قبض روحي * فترفّق بها قليلا قليلا فما طاوع على أكله بعد اليمين أبدا . فلزم من ذلك نزول الموادّ الرطوبيّة على عينيه ، لأنّ أكل البرش كان يحبس المواد عن النزول لما فيه من التجفيف . فلم يزل ذلك يتزايد إلى أن أوجب له العمى ، وهو قاض حينئذ بقسطنطينية المحميّة . فلزم بيته مسلّما لأمر القضا ، تاركا منصب الحكم والقضا . وعاش بعد ذلك مدة طويلة ، صنّف فيها كتبا جليلة .

--> ( 1 ) تركيب مخدّر كالأفيون ، وأفادني الأمير جعفر الحسني أن الصيّادين كانوا يمزجونه مع الطعام ويقدمونه للطيور لتخديرها وصيدها . وانظر : Dozy , Sup , Dict , Arabe I , 71 ولم أجد الكلمة في كتب المفردات .